رحمة: أهميّة الإصلاح السياسي والإداري
أصدر الدكتور جوزف رحمة عضو المجلس السياسي في حزب اللبنانيون الجدد بياناً بما يخصّ الإصلاح السياسي والإداري، جاء فيه:
لقد أدى استشراء الفساد والتفاوت الإجتماعي في السنوات الثلاثين الماضية إلى مضاعفة حالة الإحتقان السياسي والإقتصادي ونتَج عنها مشاكل معيشيّة متراكمة أمام مجتمع تزايدت حاجياته وكبرت طموحاته.
جاء يوم ١٧ تشرين المجيد، فأطلق ثورته العفويّة من دون قيادة سياسيّة أو توجّهات إيديولوجيّة، من دون مكاسب ماديّة أو غايات شخصية، فكانت ثورة مجتمع بأكمله، مجتمع حطّم أغلاله حتّى تحرّرت أياديه وبدأ التفتيش عن حلول للمعضلات التي تمنعه من تحقيق قفزة التقدّم.
اندلعت ثورة الكرامة بهبّة جماعية تتوزّع في صوَرٍ مختلفة. ثورة على مؤسسات فاسدة، ثورة على حريّات منهكة، ثورة على تأمينات إجتماعية مزيّفة، ثورة على برلمان صُوَري، ثورة على حكومات إستعراضيّة، ثورة على إعلام مقيّد، ثورة على أحزاب تابعة، ثورة على من يملك مبنى المحكمة والقضاة والحجّاب، ثورة على كلّ سياسيّ بضمير مستتر، مطبوخ بالفساد ومبهّر بالتدجيل.
أيها الأحرار،
في ظل هذه الأزمة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية المربِكة التي يعيشها لبناننا اليوم والتي تتجسّد بظاهرة البطالة والفقر والجوع وعدم ثقة الشعب بكل المؤسسات الحكومية والنقابية والحزبية، تتناسى السلطة أهمية الإصلاح السياسي والإصلاح الإداري رغم أنهما المدخل الأساسي والأهم للإصلاح الاقتصادي. فنحن نتعايش اليوم مع الكثير من قوى الشد العكسي التي تمارس سياسة إطفاء الحرائق عبر الإعلان عن إستعراضات سطحية بغرض تحقيق إنجازات إعلامية وهمية.
إن بقاء الوضع الراهن قد يؤثر على الإستقرار، وقد تصبح الأمور في مهب الريح، خصوصاً مع الحاجة الملحّة لإشراك الشباب والمواطنين في صنع القرار، وفرز نخب جديدة لقيادة المشهد السياسي في ظل عجز الأطراف الحالية عن إحداث أي تقدّم في البلاد.
إن إصلاح الدولة لن يتحقق من دون إصلاح سياسي مبني على المعايير الدولية للإصلاح والمتعلقة بقوانين الأحزاب السياسية والأنظمة الإنتخابية والصحافة، من أجل تمتين بنيان الدولة ومؤسساتها، ما يضمن حاضر البلاد ومستقبله. وهذا يبدأ أولاً بتشابك الأيدي ورصد الصفوف لكي نصل إلى تنظيم هيكلية الثورة، فنعمل بعد ذلك إلى فرز حكومة وطنية قادرة على معالجة التحديات الداخلية، وأهمها النهج الاقتصادي المعتمد واستشراء الفساد وارتفاع العجز والمديونية والتبعية الحزبية للخارج.
الإصلاح السياسي مرتبط حكماً بالديموقراطية، والديموقراطية مرتبِطة بدعامتين أساسيتين: مجالس منتخبة تُنتخب انتخاباً حراً يُفرز عنها ممثِلين يعبّرون عن روح الشعب ونبضه، وأحزابا سياسية وطنية (وأشدد هنا على كلمة وطنية) تمارس دورها الحر والمسؤول في التعبير عن مصالح الطبقات والشرائح الشعبية المختلفة بعيداً عن الأسس المناطقية والفئوية والعشائرية والطائفية السائدة منذ ثلاثة عقود من الزمن وحتى يومنا هذا.
أمّا بما يخصّ الإصلاح الإداري،
يا أيها الثائرون الأحرار،
يعيش لبنان حالة من الترهُّل والضعف في الإدارة العامة والخدمات الحكومية، انعكست على قدرة الدولة في تطبيق المفهوم العملي الجديد للعلاقة بين القطاع العام والمواطن. الأمر الذي أنتج ضعفاً من قِبل القطاع العام في استخدام الموارد وأثَّر في كفاءة وفعالية الخدمات الحكومية وساهم في إيجاد واقع يمنع المساءلة والشفافية والعدالة ويُقلِّل من القدرة على الإستجابة السريعة لحاجات المواطن اللبناني. وهنا فإن الوصول لهذه الأهداف يتطلب إنشاء نظام إداري حديث يُساهم في صناعة التحوُّل الإداري عبر تنفيذ عملية إصلاح وتنمية مستمرة على المستويات الإدارية كافة.
إن الإصلاح الإداري في لبنان أصبح ضرورة وليس خيارا، خصوصا في ضوء المشاكل المتراكمة، وأهمها:
* تدنّي محصلة الجهود المبذولة في مجال التطوير الإداري بسبب عدم وجود استراتيجية واضحة تحظى بالدعم السياسي
* الانتقائية والجزئية وعدم التكامل في جهود التطوير
* عدم الإستفادة من تقنية تكنولوجيا المعلومات
* غياب وجود معايير موضوعية لقياس الأداء المؤسساتي
* عدم ملاءمة تنظيم الإدارة وهيكليتها بسبب المركزية المشددة
* الضعف في التخطيط
* عدم وجود إدارة فعالة للموارد البشرية
* انعدام المساءلة وضعف أنظمة الرقابة
لم تشهد الإدارة العامة، منذ اكثر من ثلاثين عاماً من إنشائها عمليات إصلاحية، ولا يمكن القول أنّ صدور مرسوم من هنا او قانون من هناك او غير ذلك من إجراءات إلا إجراءات مجتزأة لا تمت بصلة للإصلاح الإداري الحقيقي الشامل.
انطلاقاً من هذا الواقع المرير نقترح عليكم بعض نقاط التطوير الملحّة والضرورية لمعالجة جذرية للوضع الإداري:
أولاً: العمل على إعادة إحياء دور المؤسسات العامة في لبنان عبر خطة تطوير تهدف إلى إيجاد تحول يخدم التنمية الشاملة والمتكاملة للقطاع العام، وهو ما يبدأ بعملية إعادة هيكلة القطاعات الأساسية في الدولة. الأمر الذي لا يمكن أن يحصل دون تحديث التشريعات والقوانين الخاصة بعمل المؤسسات العامة والإعتماد على مناهج التخطيط الاستراتيجي للقطاع العام
ثانياً: إرساء سياسات مُستدامة طويلة المدى تنقل الواقع الإداري الحالي الى واقع إداري جديد يُساهم في إيجاد حلول دائمة للمشاكل الإدارية الحالية والمستقبلية. وهو ما يحتاج إلى تفعيل دور الرقابة والمساءلة ضمن الإدارات العامة، عبر الإعتماد على سياسات تنفيذية تعتمد على الأدلة والتي تُعرف بالسياسات المبنية على القرائن
ثالثاً: تبنّي مفاهيم العولمة الحديثة والتخطيط المعرفي وإدخال تكنولوجيا المعلومات والتقنيات الإدارية الجديدة لتحسين الأداء الإداري
رابعاً: تحديد آلية علميّة وموضوعية وشفافة لتعيين موظفي الفئة الاولى لا تخضع لمزاج المسؤولين السياسيين، حتى لا تعاني الادارة من شغور يؤدي الى التعطيل والشلل
خامساً: تشريع قوانين جديدة كاللامركزية الإدارية الموسّعة المرنة التي تحافظ على وحدة البلاد لكنها تجعل الإدارة قريبة من المواطن.
أمام هذا الوضع المرير، يمكننا الجزم أن واقع السلطة يعكس غياب الإرادة السياسية للإصلاح، ويجسد رغبة “قوى الأمر الواقع” في إبقاء الوضع القائم، وتعليق أي تعثّر على غياب الوعي عند المواطن الثائر، لقطع الطريق على أي “اختراق محتمل” في هذا الملف.
يا أيها الوطنيّون،
الدولة تعاني اليوم من هوة ثقة كبيرة بينها وبين المواطن، ومن الكثير من الترهّل الإداري، ومن الفساد المستشري، ولعلّ هذا كله لا يمكن علاجه إلّا بمزيد من الديموقراطية التي تؤدي إلى بسط سيادة القانون والشفافية والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار والعدل وفعالية الإنجاز وكفاءة الإدارة والمحاسبة والمسائلة والرؤية الاستراتيجية الشفافة، والحاكمية الرشيدة، والعدالة الاجتماعية.
السياسة هي “فن الممكن”، وهذا يعني أن نكون واقعيين وأن نتقدم بمنهجية وبأسلوب مدروس، ولكن في نفس الوقت، نتحرك بثبات وبعزم وصولاً إلى وطن عزيز كريم ومستقر.
وليَعلم الجميع أنّه في النهاية سيتأجّج لهيب ١٧ تشرين ويتصاعد هدير الشعب، وسنمضي، سنمضي بالإصلاح إلى ما نريد. إهتفوا بصوت المجد “ثورة” وتأكّدوا أنَّ الله معنا والحقّ معنا ونحن الأكثريّة.
حزب اللبنانيون الجدد الموقع الرسمي
