13 شباط 2020
خارطة طريق
د. جوزف رحمة
اللبنانيون الجدد
ندائي إلى كل ثائر في كل زاوية من بلاد الأرز،
لقد أدى استشراء الفساد والتفاوت الإجتماعي في السنوات الثلاثين الماضية إلى مضاعفة حالة الإحتقان السياسي والإقتصادي ونتَج عنها مشاكل معيشيّة متراكمة أمام مجتمع تزايدت حاجياته وكبرت طموحاته.
جاء يوم ١٧ تشرين المجيد، فأطلق ثورته العفويّة من دون قيادة سياسيّة أو توجّهات إيديولوجيّة، من دون مكاسب ماديّة أو غايات شخصية، فكانت ثورة مجتمع بأكمله، مجتمع حطّم أغلاله حتّى تحرّرت أياديه وبدأ التفتيش عن حلول للمعضلات التي تمنعه من تحقيق قفزة التقدّم.
اندلعت ثورة الكرامة بهبّة جماعية تتوزّع في صور مختلفة. ثورة على نص الدستور، ثورة على مؤسسات فاسدة، ثورة على حريات منهكة، ثورة على تأمينات إجتماعية مزيّفة، ثورة على برلمان صُوَري، ثورة على حكومات إستعراضيّة، ثورة على إعلام مقيّد، ثورة على أحزاب تابعة، ثورة على من يملك مبنى المحكمة والقضاة والحجّاب، ثورة على كلّ سياسيّ بضمير مستتر، مطبوخ بالفساد ومبهّر بالتدجيل.
ندائي لكم يا أيها الثائرون الأحرار،
ندائي لكل مشرّد على قارعة الطريق، لكل عجوز بلا مأوى، لكل جائع بلا طعام، لكل شاب بلا عمل، لكل فتاة بلا مستقبل، ندائي لكل مريض بلا خدمات صحية، لكل مسنّ بلا تقاعد، لكل مسجون بلا حِكم، لكل مظلوم بلا سند، لكل طفل بلا مدرسة، لكل رضيع بلا قوت، ندائي لكل طامح بلا دعم، لكل مهاجر بلا قناعة، لكل صادق بلا حماية، لكل فلاح بلا حصاد، لكل حرّ بلا حرية.. ندائي لكل ثائر لبناني فوق كلّ أرض وتحت كل سماء.
ندائي لكِ يا حاجّة بعلبك الهرمل، يا طفل الشوف عاليه، لكَ أيها المسنّ في عكار وطرابلس، لكم يا شباب بشري وزغرتا، يا صبيّة المتن وكسروان، لكل سيّدة في جبيل والبترون، يا مواطني البقاع بأكمله، لكل رجال العاصمة بيروت. ندائي هو نداء مواطن برتبة ثائر لكلّ وطنيّ في كلّ زاوية من بلاد الأرز.
هكذا هي الثورة، حق التاريخ في ذمّة الشعوب، لطالما انتظرناها سيلاً جارفاً لا يُبقي ولا يذر، وها هي بهمّتكم أيها الأحرار وبفضل جهودكم وتضحياتكم هادرة في كل بقاع الوطن. فلم تعُد تعرية البعض بحاجة إلى قاضٍ ومحكمة ومطرقة، فالثورة تلاحق الفاسد في كل مكان، في بيته، في أرضه، في مكتبه وفي مجالسه الخاصة. سائقه الشخصي مع الثورة، عاملته المنزلية مع الثورة، موظفي قاعة الإستقبال مع الثورة، وكل مناصر له هو ضمنيّاً مع الثورة. ولكن صدقوني، هؤلاء الفاسدين الكاذبين في صِدقهم والصادقين في كِذبهم سيفضّلون الحياة مع الذلّ على الموت بكرامة.
هذه ثورتنا جميعاً. أفتخر أنّني واحدٌ منكم. ثورة تهدف إلى بناء دولة عصريّة ديمقراطية لشعب وطنيّ يتمسك بأصوله ويتطلّع بقوّة وطموح جارف ليلتحق بالأمم المتقدّمة. فنحن ما عدنا نتحمل المساكنة مع واقع لا يتغير، ومع منظومة تبرع في صناعة الأوهام والأزلام، وما عدنا نؤمن بالمهادنة والتراكم والصبر الاستراتيجي.
ولكن تأكّدوا أنَّ النّجاح في هذه المعركة لن يكون مضموناً دون توحيد القوى وتوافقنا وتكاتفنا تحت شعاراتٍ موحّدة ومدوّنة في “ميثاق شرف” يُعلن عنه خلال مؤتمر وطنيّ. خطة عمل شاملة ومُختصرة تؤكد على المبادئ والقيَم الوطنية التي نتفق جميعنا حولها، فالشغل حق والعمل واجب، والنجاح استحقاق والمساواة هدف دائم.
فلْتَكن مطالبنا في المدى القريب محصورة بإستعادة الودائع الخاصّة والمهرّبة والمنهوبة، التحضير لإنتخابات مبكّرة تحت أيّ ظرف ووفق أيّ قانون، التأكيد على المساواة بين الرجل والمرأة التي تمثّل تاج تجربتنا وزهرة ديمقراطيتنا، ومحاسبة الفساد والفاسدين في محاكمة علنيّة تحت شعار “كلن يعني كلن ما عدا البريء منن”. وهكذا تُتَرجم الثورة بمعناها المدني والعملي المتواصل وبمعناها التشريعي الإصلاحي الهادئ والتنفيذي الفاعل.
عارضوا تأسيس مجلس قيادة وادعموا إمضاء ميثاق شرف. فهكذا نستبعد إنشاء ائتلافات وتجمعات، لكلٍّ منهم مواقفه وتوجهاته الخاصة، ما يؤدّي إلى صعوبة الوصول لإتفاق عام بشأن أولوية القضايا والمطالب المطروحة أو بشأن آليات تنفيذها وتحقيقها، ويصعب أيضاً إرضاء كل هذه الأطراف أو حتى تحقيق الحد الأدنى من القبول والرضا.
ثائر الحق هو الذي يثور ليَهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد. يا أيها الوطنيّون،
الأهمّ ليس أين نحن اليوم بل الإتجاه الذي نتقدم نحوه، آخذين في عين الإعتبار حماية الوطن والمواطن من أخطار العنف والجريمة والفتنة والإرهاب.
نادوا بصوتٍ عالٍ، نحن ضدّ التشهير الشخصي، ضد التهجّم على الأملاك العامة والخاصة، ضد العنف، وضد الفوضى. ولكنّنا أيضاً ضد إسكات الأحرار، ضدّ الغرائز المناطقية والطائفية، ضد التخوين والتلفيق، ضد تطويق الشارع، ضد الهيمنة وفرض القرار، وضد التضييق والتهديد والترهيب.
في النهاية سيتأجّج لهيب ١٧ تشرين ويتصاعد هدير الشعب، وسنمضي، سنمضي إلى ما نريد. إهتفوا بصوت المجد “ثورة” وتأكّدوا أنَّ الله معنا والحقّ معنا، ونحن الأكثريّة…
حزب اللبنانيون الجدد الموقع الرسمي